رأي

مخطط افشال الدولة واسلوب المجابهة

 

الدكتور عادل عامر

إن السياسة العامة للدولة تهدف الى تحقيق المبادئ والأهداف والمصالح القومية وهي تشكل في مجموعها ما يعرف بالأغراض القومية . كما أن الدستور والقوى السياسية والاقتصادية والحربية تساهم في إعطاء الدولة القوة في الاستمرار وتحمل المسؤوليات ومجابهة الأخطار والتغلب عليها وتخطيها وقد وجدت أمريكا في بعض الطواغيت الطريقة الأمثل لتنفيذ الفوضى. باختصار، لقد أرادتها الشعوب ثورات لإسقاط الطغاة والطغيان، بينما أرادتها القوى الخارجية معولاً لإسقاط الأوطان.

شتان بين الثوار والداعمين، فبينما يسعى الثوار للتغيير والإصلاح فعلاً، فإن الداعمين للثورات ليسوا دائماً فاعلي خير، بل ربما في كثير من الأحيان يستخدمون مظالم الشعوب لتحقيق غاياتهم قبل غايات الشعوب الثائرة. وهذا ما حصل على ما يبدو حتى الآن للأسف.

تعتمد استراتيجية أية دولة من الدول على مقومات أساسية أهمها :العقيدة السياسية التي يقوم عليها النظام السياسي في هذه الدولة, والوضع الجيوستراتيحي للإقليم الذي توجد عليه, والموارد الطبيعية, وعدد السكان ودرجة التقدم الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي, ثم القوة العسكرية.

ولكل دولة سواء كانت صغيرة أو متوسطة أو كبرى , استراتيجية عليا, تحدد أهدافها القومية في الداخل و الخارج, وتحافظ على مصالحها الحيوية, وتحمي أمنها القومي. وفي ضوء ذلك كله, يتم تحديد وتنظيم علاقاتها مع الدول المجاورة لها في المنطقة الإقليمية, وعلاقتها مع بقية دول العالم

لقد عانت الاستراتيجية العربية في مواجهة الأطماع والتحركات الإسرائيلية في أفريقيا العديد من المشاكل والنواقص من أبرزها انعدام وجود سياسة عربية فاعلة بسبب الخلافات العربية -العربية. وجاءت زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس عام 1977 وما أعقبها من توقيع معاهدة السلام المنفرد عام 1979 لتضيف عاملاً جديداً في منتهى الخطورة زاد في تفاقم التشتت العربي.

وعلى الرغم من أن السادات اعتبر المعاهدة خطوة واحدة في اتجاه تسوية سلمية شاملة “فإن الزعماء الإسرائيليين وصفوها بأنها ترخيص بارتكاب أي نوع من التصرفات التي تراها إسرائيل ضرورية في مواجهة عرب المشرق.

وقد قال دايان أنه بعد خروج مصر من الصراع لم تعد إسرائيل تخشى عرب المشرق غالبا ما تستغل هذه الحروب الثغرات ونقاط الضعف لدولة ما لإخضاعها عبر مجموعة من الأدوات:

– أجهزة الاستخبارات: حيث تمتاز حروب الجيل الرابع بتركيزها الشديد على الدور الاستخباراتي وارتفاع أهميته عن الاشتباك العسكري المباشر. وقد تطورت الاستراتيجية الاستخباراتية لتوائم الدور الجديد الذي تلعبه في تحقيق أفضل النتائج في الجيل الجديد من الحروب, فأصبح الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الأفراد في جمع المعلومات داخل المجتمعات المستهدفة أكثر منه على الأقمار الصناعية العسكرية وسائل الاتصال المختلفة: تعمل الدول على تجنيد أكبر عدد ممكن من إعلاميي وصحفيي الدولة المستهدَفة، وممن يمتلكون القدرة على التأثير في الجمهور وصناع القرار، وأصبح صناعة الخبر وبث الشائعات والفتن وتضخيم أحداث بعينها في مقابل تجاهل خبر أخر أمر يسير، ويُستغل الإعلام في التأثير على مواطني الدولة المستهدَفة وكسب تعاطفهم في مقابل التنفير من الحرب والنظام الحاكم، الأمر الذي من شأنه زعزعة أركان الدولة، ويجعل من الإعلام أداة أكثر فتكا من الجيوش العسكرية

وازدادت الأهمية التي تلعبها شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الصدد، لتميزها بسهولة الاستخدام وسرعة الانتشار ومساهمتها في نشر الأفكار عالمياً، وتوفير المعلومة سواءً كانت مكتوبة أو مسموعة أو مرئية, والتي قد تكون مغلوطة ومفبركة لتوجيه الأذهان نحو قضية ما وكسب التعاطف لصالح طرف بعينه. ولا يخفى على الأذهان أن الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على وسائل الإعلام والاتصال، وشبكات التواصل الاجتماعي، وجميع وسائل التكنولوجيا الحديثة حيث أن أهم محركات البحث الإلكتروني أمريكية وجميع شبكات التواصل الاجتماعي أمريكية وجميع البرامج والتطبيقات الإلكترونية أمريكية ومشغلات الهواتف الذكية أيضاً أمريكية. بالإضافة إلى أنها تتحكم وتسيطر على أكبر المؤسسات الإعلامية التقليدية ووكالات الأنباء العالمية الرئيسة حول العالم حيث تتحكم في صناعة الخبر وتوجيهه أيضًا.

– المال: من أهم الأدوات الواجب توافرها لدى قوى الجيل الرابع من الحروب, وأضحت الدول المحاربة تركز على تمويل التنظيمات المنتقاة داخل الدولة المستهدَفة. حيث تُستغل مجاميع بعينها داخل الدول المستهدَفة لتنفيذ أجندات خارجية، ويتم تزويدها بالقدر الكاف من التمويل والتدريب.

– المنظمات الدولية غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني: تستغل الولايات المتحدة عدد من المنظمات التي تقدم الدعم والتدريب للنشطاء السياسيين ومنظمات المجتمع المدني حول العالم لتأمين مصالحها وتأكيد نفوذها وبما يخدم الأجندة الأمريكية وتستخدمها في الوقت المناسب الذي يوافق مصالحها.، وتأتي في المقدمة مؤسسة “فريدوم هاوس”، منظمة العون الأمريكي, والمعهد الديمقراطي الوطني, ومنظمة “أتوبور” والصندوق الوطني للديمقراطية.…الخ.

تقوم تلك المنظمات بتأمين التدريب والدعم للمدافعين عن الديمقراطية، في نشر الجهود الإصلاحية من خلال مكاتبها الموزعة في قارات العالم، وتقوم بدور المحفز للحرية وذلك من خلال تقوية المجتمع المدني وتعزيز الحكومات المنفتحة والدفاع عن حقوق الإنسان وتسهيل تدفق المعلومات والأفكار.

– النظام الحاكم نفسه: قد يكون أحد أدوات الجيل الرابع بإرادته، وهو إن وجد يعد الأخطر على الإطلاق، فهذه الحرب تهدف إلى خلق دول فاشلة وأن تصل إلى درجة من الانحلال يكون فيها أخر طرف باق هو الحاكم وبالكاد يستطيع الوقوف، وغالباً ما تنطبق تلك المخططات على التنظيمات التي تصل للسلطة وتعاني من فراغ فكري وإمكانات شبه معدومة، فتعمل على القضاء على المسارات السياسية الصحية لتجنب نهايتها المحتمة خارج إطار السلطة ودوائر النفوذ، ويصل هذا النموذج من التطبيق أقصى حالات نجاحه إذا كان الإطار الفكري للنظام الحاكم لا يحبذ فكرة الدولة.

وقد يعد النظام الحاكم من أدوات الجيل الرابع من الحروب ولكن بطريقة غير مباشرة أو عن غير قصد، كأن يتم تجنيد عدد من المؤثرين على صناع القرار، وبالتالي فإن الاستشارات والنصائح المقدمة لهم لن تخدم إلا أجندات الدولة المُجنِّدة، أو أن يقوم النظام بتطبيق سياسات من شأنها إفقار الدولة وإضعاف تماسكها المجتمعي، ويرتبط ذلك برعاية النظام لحالات الفساد وإثارة النعرات الطائفية بما يدفع بالأمور إلى انعدام فكرة العيش المشترك وبالتالي تكوين جيوب داخل الدولة، أو أن يكون النظام على دراية كاملة بوجود حرب موجهة ضده ولكنه لا يستطيع مقاومتها، لأن السياق قد لا يحتمل تكلفة المواجهة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

من خلال الوسائل التي ذكرناها يصبح من المنطق فهم أن يقوم الرئيس الأمريكي بتخفيض نفقات وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون لأدنى مستوى له في التاريخ على الإطلاق في الوقت الذي تقوم فيه الوسائل الخبيثة المتاحة التي ذكرناها بتحقق النتائج المطلوبة والأهداف المرسومة بأقل ثمن مادي وبشري.        العمل لتعميق صلة ابناء الشعب في اقطارهم أي تعزيز الحس الوطني فيهم، وتعميق الايمان بدور الشعب الفاعل في الصمود والتضحية لمواجهة اعداء الامة.

وخير وسيلة لتحقيق هذه الغاية، هي احترام حقوق الانسان، والسماح بممارسة الديمقراطية، واحترام رأي الاخر وقبول الحوار معه. اقامة جبهات داخل الاقطار العربية المتحررة يشارك فيها القوى السياسية الوطنية بكل اطيافها، تمهيدا لإقامة جبهة قومية عريضة على مستوى الوطن العربي، لان المواجهة مع اعداء الوطن والامة، يستلزم استنفاذ كل طاقات ابناء الامة، باتجاه الخلق والابداع والصيرورة. تعزيز المؤسسات الديمقراطية وتعميق ارادة الشعب واحترام حقوق الانسان كما حث عليها الاسلام والعقائد الدنيوية، وفي مقدمتها دستور البعث، وفي ضوء الانتفاضات العربية المطالبة بإقامة مجتمع مدني قائم على التعددية السياسية واحترام الانسان الذي كرمه الله تعالى.

تطوير العلاقات العربية-الاوربية على اساس المساواة والاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، ولا سيما بعد ان تطورت مسيرة الاتحاد الاوربي، باعتماد عملة موحدة والتعامل بها ابتداء من اول عام 2002 وان تكون هذه العلاقات بعيدة عن الاملاءات والضغوط، واحترام السيادة واستقلال الدول العربية.

ممارسة حق العرب الطبيعي والقانوني في تأميم الثروات النفطية واستخدامها سلاحا في المواجهة وضد الدول التي تساند الكيان الصهيوني وسحب الودائع المالية العربية من البنوك الاجنبية، واستثمارها في مجالات تخدم الامن القومي العربي، ولاسيما بعد ان اخذت الدول الغربية، تصادر اموال الدول والشركات والمنظمات العربية بدعوى انها تمول الارهاب. اذ من السهل على دول الغرب ان تصطنع الذرائع لكي تصادر الاموال العربية، لحل ازماتها الاقتصادية وان تنهب اموال العرب بذرائع الازمات الاقتصادية كما حدث في العامين الماضيين.

الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية

والاقتصادية والاجتماعية

ومستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي

للدراسات السياسية والإستراتيجية بفرنسا

ومستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية

والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية

ومستشار تحكيم دولي وخبير في جرائم امن المعلومات

ونائب رئيس لجنة تقصي الحقائق بالمجلس المصري الدولي لحقوق الانسان والتنمية

-محمول:- 01224121902 –

-01002884967— 01118984318

print

الإعلانات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *