دراسات استراتيجية

الالحاد والامن الفكري

الدكتور عادل عامر

ان الأفكار المنحرفة التي ضربت عقول بعض شبابنا، وافدة على مجتمعاتنا من قبل فلسفات غربية، وأجندات سياسية مختلفة، هدفها تدمير عقول أبنائنا وخراب أوطاننا، مطالبين جميع المؤسسات الدينية والفكرية والثقافية والتربوية بالتكاتف والتنسيق لمواجهة تلك الأفكار الشاذة، وإنقاذ شبابنا من براثنها، مع ضرورة تفعيل لغة الحوار المباشر مع الشباب لأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر.

أن الإلحاد في العالمين – العربي والإسلامي -، أصبحا ظاهرة – حتى هذه اللحظة -، فهي وإن وجدت، تعتبر حالات فردية استثنائية، وليست حالة ثقافية عامة. وإذا سلمنا بهذه المقدمة، فلعل من أهم أسباب انتشار هذه الآفة، هو الانفتاح المعلوماتي الهائل، وتدفقها عبر شبكات التواصل الاجتماعي غير المراقب، – إضافة – إلى ضعف الرقابة الذاتية لدى المتلقي. هذا المصطلح لا يمكن وصف أحد به، إلا على من ألحد بالله صراحة، أو شكك في دين الله – عز وجل -، ونال من ذاته المقدسة، ورسالاته السماوية، وأساء الأدب في الحديث عن جلال الله، ومقامات الأنبياء، وتطاول على مكانة خاتمهم، عندها – فقط – يمكننا التعامل معه في المقام الأول، باعتباره ضحية من ناحية نفسية، ثم من ناحية فكرية.

 وحتى نتوصل إلى حلول عملية، مبنية على نتائج علمية حول هذه الآفة، فلا بد أن يكون الخطاب الديني، والذي من صوره : مناهج التلقين للعلوم الإسلامية، مواكبا للتجديد الذي نعيشه، ومتوافقا مع متغيرات العصر، وما يطرأ عليه من تفاصيل علمية، وفلسفية، وفكرية. إن تصور مقترحات لآليات تحد من بوادر الإلحاد، يستدعي الدعوة إلى إقامة الندوات العلمية؛ لبناء العقيدة في نفوس الحائرين،

 وفتح قنوات الحوار حول أسئلة الشك، وقراءة أفكارهم؛ لاحتوائهم، واحتضانهم ولتكون نواة إيجابية في التعامل مع أسئلة الشبهات العقدية، والطارئة. ان المنحرفين فكريا بصنيعهم هذا يقتلون أنفسهم ويدمرون أوطانهم في الوقت الذى تفرض علينا فيه ضرورة الوقت أن نحافظ على أنفسنا ونحرص على ألا تنهار أوطاننا، فالوحدة عند أبناء المسلمين فرض أوجبه الدين، ومع غيرهم ممن يعايشونهم واجب وطني تجاه مجتمعهم لأنه يؤو ى الجميع بداخله فهم في مركب واحد،

أن الانحراف العقدي يخرج قاطرة الحياة عن مسارها فيتحول ركابها إلى الوجه الآخر فيصيرون أعداء متحاربين بدلا من أن يكونوا أصدقاء متعاونين، وتكثر فيهم الفتن ويشغل كل طرف بمحاولة القضاء على الآخر، حينئذ يكثر الهرج ويتعالى المرج فتتأخر الحضارة وتطل برأسها عمليات التخلف ويأتي وعيد الله» لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق».               لا شكَّ أنَّ تأصيل العقيدة في النفوس وتربية النشء عليها من أسباب تحصينهم من الشرور والفساد، وحماية أفكارهم من المذاهب الهدّامة، والآراء الضالّة، والمناهج البعيدة عن الهدى، سواء كانت مناهج غلو وإفراط، كمذاهب الخوارج وأمثالها، المكفّرة لأهل المعاصي، الذين فهموا شرع الله على غير ما أنزل الله، فاستباحوا دماء المسلمين وأموالهم بِشُبَهٍ واهيةٍ، وآراءٍ خاطئةٍ، وتصوراتٍ سيئةٍ، أو مذاهب كفرٍ وإلحادٍ كالشيوعية الإلحادية الكافرة بالأديان كلها، الذين مذهبهم المادة فقط ولا إله إلا المادة، فلا يؤمنون بالله ربّاً ولا بالإسلام ديناً ولا بمحمد بن عبد الله نبياً ورسولاً، هم كما قال الله تعالى: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)

الأمن الفكري هو أن يعيش الناس في بلدانهم وأوطانهم وبين مجتمعاتهم آمنين مطمئنين على مكوِّنات أصالتهم، وثقافتهم النوعية، ومنظومتهم الفكرية. هو أن يعيش المسلمون في بلدانهم آمنين على مكوِّنات أصالتهم وثقافتهم النوعية، ومنظومتهم الفكرية المنبثقة من الكتاب والسنَّة. هو سلامة فكر الإنسان وعقله وفهمه من الانحراف والخروج عن الوسطية، والاعتدال، في فهمه للأمور الدينية، والسياسية، وتصوُّره للكون بما يؤول به إلى الغلو والتنطُّع، أو إلى الإلحاد والعلمنة الشاملة. هو الاطمئنان إلى سلامة الفكر من الانحراف الذي يشكِّلُ تهديداً للأمن الوطني أو أحد مقوماته الفكرية، والعقدية، والثقافية، والأخلاقية، والأمنية.

وإذا أخذنا في الحسبان مفهوم الفكر من حيث شموله لنظر العقل، ومعقولاته، فيمكننا أن نعرِّف الأمن الفكري بأنَّه: الحال التي يكون فيها العقل سالمـاً من الميل عن الاستقامة عند تأمُّله، وأن تكون ثمرة ذلك التأمُّل متفقةً مع منهج الإسلام على وفق فهم السلف الصالح، وأن يكون المجتمع المسلم آمناً على مكوِّنات أصالته، وثقافته المنبثقة من الكتاب والسنَّة.

وبهذا التعريف يكون الأمن الفكري شاملاً للفعل الذي تقوم به النفس عند حركتها في المعقولات، والموضوعات التي أنتجها العقل البشري، وكذلك شاملاً لفكر الفرد ومكوِّنات فكر المجتمع، وأنَّه لا يتحقق إلا بالالتزام بمنهج الإسلام على وفق فهم السلف الصالح.

إنَّ العقل لا يستطيع أن يخوض في كل مجال، ولا أن يدرك حقائق جميع الأشياء ولذلك جعلت نصوص الوحي حدوداً معيّنةً للعقل يجب عليه ألاَّ يتعدَّاها؛ لأنَّ في تعدّيها خطراً على العقل، أو إشغاله بما لا فائدة فيه.

 قال الشاطبي (رحمه الله): “إنَّ اللهَ جعل للعقول في إدراكها حداً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبي إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون”.     إنَّ في منع الفكر من الاشتغال بما ليس في وسعه إدراكه، وحفظه من الخوض في غير مجاله، وإبعاده عن الاشتغال بما ليس فيه فائدة، إن في ذلك فوائد جمَّة، وآثاراً حسنةً ترجع على صاحب الفكر والمجتمع الذي يعيش فيه.

تعزيز الأمن الفكري بين الواجب والضرورة لان الأمن الفكري هو تحقيق الطمأنينة على سلامة الفكر والاعتقاد بالاعتصام بالله، والأخذ من المصادر الصحيحة، مع التحصُّن من الباطل والتفاعل الرشيد مع الثقافات الأخرى، ومعالجة مظاهر الانحراف الفكري في النفس والمجتمع، فالشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الضرورات الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض) وبالتالي فإنَّ بناء مفهوم “الأمن الفكري” في الإسلام، يستدعي مراجعة نصوص الشريعة وتطبيقاتها؛ للخلوص برؤية متكاملة لتحقيق التعزيز الأمثل لهذا المفهوم، وهو عمل ينبني على الاستقراء الموصل لليقين، مع دراسة المفاهيم التي تتصل بهذا المفهوم، أو تتقاطع معه، أو تختلط به.

لتحقيق الأمن الفكري، لا بُدَّ أن يعتني الإعلام الموجَّه بالاختلاف، ويضبط أمره، وذلك عبر الاهتمام بجوانب، أهمها:

 [1] بيان أنَّ الاختلاف بين البشر واقع قدراً، قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ). فالخلاف بين البشر بتصوراتهم وأفكارهم وعقائدهم، سنة قدرية من سنن الله في الخلق لا يمكن مغالبتها وإنكارها.

 [2] الاختلاف، أُمرنا باجتناب أسبابه وتقليل آثاره: مع ما تقدم من كون الخلاف بين الخلق واقع كوناً وقدراً، إلاَّ أننا كُلِّفنا شرعاً بتجنُّب أسبابه، والتقليل من آثاره ومضارة، فـقد ذمَّ الله الاختلاف، وأمر عنده بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فلو كان الاختلاف من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما أمرهم بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة.

نري

[1] التوسُّع في دراسة نظرية الأمن الفكري في الإسلام وربطه بمسألة التحصين العقدي، والعمل على إيجاد وصف منهجي دقيق لمفهوم شامل للأمن الفكري يحد من سوء الفهم مع الأخذ بعين الاعتبار بما يلي:

{أ} التأسيس على مفهوم التنمية الفكرية وتجاوز ردود الأفعال ليكون العمل بناءً تأصيلياًّ شاملاً، لا يعالج المشكلات الآنية فحسب، بل يحدِّد مقوِّمات ومتطلبات الأمن الفكري، وعوامل ترسيخه ونشره بين شرائح المجتمع.

 

الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية

والاقتصادية والاجتماعية

ومستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي

للدراسات السياسية والإستراتيجية بفرنسا

ومستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية

والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية

ومستشار تحكيم دولي وخبير في جرائم امن المعلومات

ونائب رئيس لجنة تقصي الحقائق بالمجلس المصري الدولي لحقوق الانسان والتنمية

-محمول:- 01224121902 –

-01002884967— 01118984318

print

الإعلانات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *