رأي

رحيل آخر جيل العمالقة

بقلم : أحمد خليفة

برحيل خالد محيي الدين عن الدنيا عن عمر يناهز 95 عاما يكون بذلك رحل آخر الضباط الأحرار من الصف الأول، من قاموا بتنظيم الضباط الأحرار بالجيش المصري، وقاموا بإنهاء عهد الملكية المصرية وقيام الجمهورية بمصر لأول مرة، والرجل له تاريخ كبير وإسهامات من النضال بالحركة الوطنية المصرية بشكل عام.. في جنازة رسمية وعسكرية بحضور رئيس الجمهورية ودع الفقيد إلى مثواه الأخير.

وخالد محيي الدين مواليد 17 أغسطس 1922 توفي 6 مايو 2018، ضابط سابق في الجيش المصري خلال العصر الملكي وأحد الضباط الأحرار، وعضو سابق في مجلس الشعب المصري، ذو فكر يساري، وهو مؤسس ورئيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي حتى اعتزاله العمل العام حينما بلغ 80 عامًا.

وكان قد جمعني بالرجل وأسرته لقاء صحفي في منزله بحي الزمالك، في إحدى ليالي صيف عام 1995، وكنت وقتها أقوم بعمل سلسلة حوارات صحفية عن ثورة يوليو مع قادة الثورة ومنهم خالد محيي الدين والدكتور ثروت عكاشة، وحسين الشافعي، وزكريا محيي الدين وآخرين من الصف الأول والثاني من قادة الثورة بهدف التوثيق لتلك المرحلة، والفترة الناصرية أيضا وكان لقائي معه حول تاريخه السياسي وعمله العام بالإضافة إلى الجوانب الأخرى التي لا يعرفها الناس عن الشخصية العامة وهي الجانب الاجتماعي والأسري في حياة تلك الشخصيات، وكيف يقضي يومه وطقوسه الحياتية اليومية، وكانت فكرة جديدة وطريفة أن يتم عمل موضوعات صحفية وحوارات بهذا المعنى وكانت جديدة، لفت نظري أشياء كثيرة في شخصية خالد محيي الدين، وهي الهدوء الشديد وقله الكلام، حتى إن زوجته كانت مشاركة في ذلك الحوار وتدفعه للكلام دائما، وقال لي إننا الجيل الصخري، ولم أفهم المعنى، وأوضح لي أن رجال يوليو، كانوا قليلي الضحك أو التبسم، وان ابتساماته لي من أجل تصوير الكاميرا هي شيء لم يعتادوا عليه، الملاحظة الثانية، أحسست بأنني أتحاور مع شخص يحمل الكثير من النبل، فكانت إجابته دائما، بها الكثير من الرقي وعدم التطاول أو التجريح في الآخرين، وكان اللقاء في شهر رمضان في هذا الوقت وكانت من إجاباته أنه يقرأ القرآن كثيرا، فقلت كيف وأن الرئيس الراحل عبد الناصر قال عنك “الصاغ الأحمر” وأنك شيوعيا، وتابع لموسكو فقال، الله يرحمه يقول اللي يقوله وضحك كثيرا، وقام زميلي المصور بالتقاط صورة له أثناء قراءة المصحف، وللعلم أن أسرة الراحل أسرة ريفية ثرية متدينة جدا، المهم أنه كان يريد حياة حزبية وسياسية في مصر، وكان من أنصار الديمقراطية في مصر، وهذا ما تجلى في أزمة مارس الشهيرة وموقفه النبيل، في عدم شق الصفوف، وخلق أزمة داخل الجيش في مارس عام 1954.

جدير بالذكر أن خالد محيي الدين ولد في كفر شكر في محافظة القليوبية عام 1922 تخرج في الكلية الحربية عام 1940، وفي 1944 أصبح أحد الضباط الذين عرفوا باسم تنظيم الضباط الأحرار والذين انقلبوا على حكم الملك فاروق سنة 1952، وكان وقتها برتبة صاغ، ثم أصبح عضوا في مجلس قيادة الثورة، حصل على بكالوريوس التجارة عام 1951 مثل كثير من الضباط الذين سعوا للحصول على شهادات علمية في علوم مدنية بعد الثورة وتقلدوا مناصب إدارية مدنية في الدولة.

وكان جمال عبد الناصر قد وصفه بالصاغ الأحمر في إشارة إلى توجهات محيى الدين اليسارية، وحينما نشب خلاف بينه وبين جمال عبد الناصر ومعظم أعضاء مجلس قيادة الثورة استقال من المجلس، وآثر- ربما تحت ضغوط من جمال عبد الناصر- الابتعاد إلى سويسرا لبعض الوقت.

بعد عودته إلى مصر ترشح في انتخابات مجلس الأمة عن دائرة كفر شكر عام 1957 وفاز في تلك الانتخابات، ثم أسس أول جريدة مسائية في العصر الجمهوري وهي جريدة المساء، وشغل منصب أول رئيس للجنة الخاصة التي شكلها مجلس الأمة في مطلع الستينيات لحل مشاكل أهالي النوبة أثناء التهجير.

تولى خالد محيي الدين رئاسة مجلس إدارة ورئاسة تحرير دار أخبار اليوم خلال عامي 1964 و1965، وهو أحد مؤسسي مجلس السلام العالمي، ورئيس منطقة الشرق الأوسط، ورئيس اللجنة المصرية للسلام ونزع السلاح.

حصل على جائزة لينين للسلام عام 1970 وأسس حزب التجمع العربي الوحدوي في 10 إبريل 1976.

اتهمه الرئيس السادات بالعمالة لموسكو، وهي تهمة كانت توجه لعديد من اليساريين العرب في حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وفي السنوات التي سبقت اعتزاله السياسي أبى المشاركة في انتخابات رئاسية مزمعة في مصر ليقينه أن الانتخابات لن تكون نزيهة وأن مشاركته ستستخدم لتبرير شرعية الرئيس مبارك. يرى البعض في تخليه طوعا عن قيادة حزب التجمع مثالا للحكومة والمعارضة في أهمية التغيير وتداول السلطة.

كان عضوا في مجلس الشعب المصري منذ عام 1990 حتى عام 2005 حينما خسر أمام مرشح الجماعات الإسلامية، ابن عمه زكريا محيي الدين مؤسس جهاز المخابرات العامة المصرية.

Advertisements
Ecwid
Jetpack Jetpack

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *