دراسات استراتيجية

مظاهر الفساد

 

الدكتور عادل عامر

الفساد لا يحدث من فراغ، ولا بشكل عشوائي ، ولكنه يحدث من خلال حسابات دقيقة لكل الأطراف المشتركة في هذه الكارثة ، فكل جهة تحاول تحقيق أقصى منفعة ممكنة ، ويبدو أن كثرة القوانين تؤدي إلى زيادة ثغراتها وسهولة مخالفتها ، فكثرة القوانين من أهم البواعث للفساد، حيث إن الفساد في أبسط معانيه، هو إساءة استخدام السلطة من أجل تحقيق منفعة خاصة، أو استخدام مفهوم المصلحة العامة كإطار تخفي داخله مصلحتها الخاصة ، وإحكام سيطرتها علي المجتمع ، ومن ثم يصبح مفهوم المصلحة العامة مجرد أداة لتزييف وَعْي أفراد المجتمع، بهدف تحقيق مصالح خاصة تحـت ستـار المصلحة العامة

ولا يوجد حصر دقيق لكل قضايا الفساد المضبوطة في مصر ولا حجم الأموال المتحصلة عنها، ويعود السبب في ذلك إلى أن هيئة الرقابة الإدارية لا تعلن إلا عن القضايا الكبرى من حيث الأموال المهدرة أو من حيث المسئولين المتورطين فيها، لكن نظرة سريعة على أبرز تلك القضايا تكشف عن أن الرشوة واختلاس المال العام هما الصورتان الأبرز لوقائع الفساد المتعددة التي كشفت عنها الرقابة الإدارية مؤخرا.

وتكشف التقارير الرقابية أيضا عن ترسخ ظاهرة الفساد في قطاعات بعينها كوزارات التموين والصحة والتعليم والأوقاف والزراعة والمالية والإسكان والعدل، وهي وزارات خدمية ذات صلة مباشرة بالجمهور.

الفساد ليس ظاهرة حديثة ، ولا هو مقتصر على البلدان النامية دون المتقدمة ، ومن غير الممكن معرفة مدى انتشار الفساد بشكل دقيق في منطقة ومقارنتها بأخرى ، و إنما يتم ذلك في الغالب بشكل تقريبي ، فمعظم أعمال الفساد تتم بسرية ، ونادراً ما يتم الكشف عن مثل هذه العمليات وخاصة منها تلك التي تتم في الأوساط الرسمية العليا ( فساد القمة – الفساد الكبير ) ، فهذه الأوساط تشكل فيما بينها شبكة تقوم من خلالها بأعمال الفساد وتحيط أعمالها بالسرية التامة ونادراً ما يتم كشفها أو معرفة تفاصيلها .

وتختلف الأسباب التي تؤدي إلى نمو الفساد وانتشاره في البلدان النامية ومنها الدول العربية عنها في الدول المتقدمة ، فالعوامل التي تساعد على نموه في الدول النامية تختلف إلى حد كبير عن العوامل المساعدة على نموه في الدول المتقدمة ، إلا أن طرق ممارسة الفساد متشابهة إلى حد كبير ، وعلاوة على ذلك فإن قدراً كبيراً من الفساد في الدول النامية تشارك فيه الدول الصناعية بصور مختلفة ، فالتنافس بين الشركات متعددة الجنسيات المتمركزة في غالبيتها في الدول المتقدمة على صفقات الأعمال الدولية ، يدفع بهذه الشركات إلى دفع رشاوي ضخمة للمسؤولين الحكوميين في الدول النامية للفوز بهذه الصفقات ، ولم تساهم سياسات التحول نحو الديمقراطية والأخذ بسياسات السوق في التخفيف من نمو هذه الظاهرة بل على العكس من ذلك تماماً ساعدت على نموها

وذلك يعود برأينا إلى عدم مواكبة أو مصاحبة هذا التحول حدوث تطوير في القوانين المعمول بها في تلك الدول وخاصة منها القوانين التي تمكن المسؤولين الحكوميين / العموميين من الحصول على رشاوي نظير منح الشركات ( من داخل الدولة أو خارجها ) عقود حكومية أو تسهيلات أو امتيازات داخل الدولة ، أو منح استثناءات و امتيازات لأشخاص من الدولة ذاتها  كما أن من الآثار الاجتماعية والثقافية للفساد، زيادة حدة التفاوت الاجتماعي، وسببه الفساد الذي عمّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حيث تم إخضاع العملية الحسابية لمنطق الزبونية والمحسوبية الذي قاد إلى غياب العدالة في توزيع الثروة على المواطنين، مما جعل شرائح واسعة تعاني من الفقر والجوع، وهو ما انعكس بالسلب على تركيبة المجتمع والعلاقات الاجتماعية، نتيجة لتركز الثروة في يد فئة قليلة من الأفراد.

ونتيجة لهذا الوضع ظهرت العديد من السلوكيات غير المحمودة داخل المجتمع مثل الرشوة والسرقة والعمولة، مما أدى إلى تعميق جذور الفساد.   ومن بين الآثار أيضًا، ترسيخ ثقافة الفساد، حيث إن الفساد ينعكس سلبًا على منظومة القيم الأخلاقية والثقافية في المجتمع، كما أنه يزعزع سلم المبادئ التي تحكم المجتمع في علاقاته المتعددة. فخطورة الفساد لا تتوقف عند حد الرشوة، بل تكمن خطورته الحقيقة في هدم القيم والأخلاق والمثل وتحويل مبادئ العلم والمنافسة إلى صفقات. فلقد أدى الفساد في مصر إلى غياب الوعي واللا مبالاة وعدم الاكتراث، كما أصبح الفساد عادة نتيجة لذيوعه بشدة في المعاملات اليومية سواء الحكومية أو غير الحكومية، وهذا أدّى أيضًا إلى إفقار ثقافة المجتمع المدني، حيث أصبح الولاء للأسرة دون المجتمع والدولة.

يحدث الفساد عندما يمتلك الموظفون، أفراداً وجماعات، سلطة احتكارية علي المتعاملين وعندما يتمتع الموظفون بسلطة استنسابية تتحكم في عملية توفير المنتجات، سلعاَ كانت أم خدمات. وأخيراً عندما يكون مستوى المساءلة أو تحمل المسؤولية متدنية وتنامي الدور الحكومي في الاقتصاد الوطني، الأمر الذي يتطلب زيادة كبيرة في كل مستويات الضرائب والإنفاق الحكومي وتزايد نطاق اللوائح والرقابة على الأنشطة الحكومية. فتمتع المسؤولين الحكوميين بسلطات تقديرية واسعة طبقاً للوائح الحكومية المنتشرة، فسوف يعمد الأفراد والمؤسسات إلى عرض الرشاوى للالتفاف حول هذه اللوائح. ومن الأسباب الاقتصادية للفساد، القيود على التجارة (مثل تراخيص الاستيراد) وتعدد أسعار الصرف بجانب مستويات الأجور المتدنية  وأسباب سياسية التصميم السيء للوائح والسياسات، حيث وضع حوافز قوية لصانعي السياسات والموظفين الحكوميين للانخراط في الفساد، فاللوائح السيئة والفساد وجهان لعملة واحدة.

وينخفض الفساد مع  تزايد احتمالات كشف وضبط ممارسيه بوجود نظام فاعل للعقوبات على أرض الواقع قياس الفساد. ويتوقف الطلب على خدمات الفساد (الرشاوى) على حجم الدولة وهيكلها وتدفع الرشاوى عادة للحصول على المنافع الحكومية أو تجنب التكاليف والرسوم أو تخفيضها التي تفرض لتقديم الخدمة الحكومية.

العلاقة بين الرأي العام وظاهرة الفساد هي أيضاً علاقة وثيقة. فالرأي العام حينما يكون رأياً مستنيراً وواعياً وقوياً يستطيع أن يشكل رادعاً للسلطة المتورطة في الفساد، ويستطيع مكافحة مظاهر الفساد المختلفة المتفشية في المجتمع.

وفي سياق ذلك أشارت بعض الكتابات إلى أن طبيعة موقف الرأي العام السائد في المجتمع نحو ظاهرة الفساد يمكن أن يساعد على – أو يعوق من – انتشار الفساد. فالرأي العام المتسامح تجاه ظاهرة الفساد يساعد على تفشي الظاهرة، بينما الرأي العام المعادي لها يمكن أن يعوق تفشيها. ولذلك فإن أحد العوامل الرئيسية التي تجعل الفساد في الدول النامية أكثر حدة من الدول المتقدمة – كما تشير هذه الكتابات – هو أن مواطني الدول النامية أصبحوا يتوقعون الفساد وينظرون إليه باعتباره ظاهرة مقبولة ومتوقع حدوثها خلال ممارساتهم لحياتهم اليومية.

ويتصف الفساد بالتعقيد والسرية الأمر الذي يجعل من قياسه عمليه شاقة ومكلفة. ومن هنا نشأت الحاجة إلى قياس ظاهرة الفساد وفي الواقع العملي لا توجد أساليب مباشرة لقياس الفساد، لكن توجد ثمة أساليب غير مباشرة لقياس الفساد تقوم هذه الأساليب على توفير معلومات بشأن انتشار الفساد في الدولة أو المؤسسة المعنية، ويمكن الحصول على هذه المعلومات من خلال التقارير التي تنشرها الجهات المعنية بالظاهرة أو من خلال دراسات الحالة لبعض الجهات أو من خلال الاستبيانات لأن الطبيعة السرية للفساد تمثّل أكبر عقبة أمام الفساد.

ويترتب على ذلك أيضاً أن منظومة القيم الثقافية السائدة في الدول النامية – وخاصة قيم الثقافة السياسية – تعتبر من أبرز عوامل تفشي الفساد في تلك الدول، فهي القيم التي تحرك الرأي العام في اتجاه مساعد أو معوق لظاهرة الفساد.

الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية

والاقتصادية والاجتماعية

ومستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي

للدراسات السياسية والإستراتيجية بفرنسا

ومستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية

والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية

ومستشار تحكيم دولي وخبير في جرائم امن المعلومات

ونائب رئيس لجنة تقصي الحقائق بالمجلس المصري الدولي لحقوق الانسان والتنمية

-محمول:- 01224121902 –

-01002884967— 01118984318

print

Booking.com INT
Jumia.com.eg
Souq.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.